لم تكن مصادفة أبدا أن يتأخر خطاب نتنياهو فليلا عن خطاب نظيره الأمريكي اوباما ، في تحديد الرؤية الصهيو- أمريكية للمنطقة.
ففي حين وضع اوباما السمات العامة والخطوط العريضة للمرحلة السياسية المقبلة، فإن نتنياهو قد تناول وبالتفصيل الشق الصهيوني من المهمة ، في تناغم قل نظيره، على عكس ابر المخدر التي حاول أن يحقنها الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر أتناء زيارة له للمنطقة بان صداما أمريكيا صهيونيا قد يحدث إذا ما استمر نتنياهو في تنفيذ رؤية إدارته للسلام.
فوسط ترحيب أوروبي غير مسبوق وترقب وحذر لدى حركات المقاومة تجاه الخطاب الأمريكي والرهان على تغيير في السياسة الأمريكية للتعامل مع الملفات العالقة في العالم ، جاء خطاب نتنياهو لينهم حالة الجدل والرهان والتأويل والتفسير التي تناولت ما ذهب إليه اوباما في خطابه وتحديدا ما يخص الصراع العربي الصهيوني.
وقد حفلت لقاءات اوباما مع الرسميين العرب وعلى رأسهم رئيس السلطة الفلسطينية بالعديد من الفواتير السياسية والأمنية التي عرضها هؤلاء كعربون ولاء للإدارة الجديدة .
ولعلنا في هذا المقام لسنا في وارد تحليل الخطابات إلا أن وقفة أمام الخطوط العريضة لخطابي اوباما ونتنياهو ،تمكننا من تبيان القواسم المشتركة في السياسة الصهيو- أمريكية :
أولا _ اوباما:
- شراكة مع العرب والمسلمين في الحرب على ما اسماه "الإرهاب" .
- تثبيت المكاسب السياسية للحرب الصهيونية المدعومة أمريكياً.
- طلب الدعم العربي والإسلامي للحروب الأمريكية ضد حركات المقاومة الوطنية واعتبارها تمثل تهديدا مشتركا لمصالح الطرفين .
- وضع الحرب الأمريكية – الصهيونية على العرب و المسلمين في إطار الصراع بين " الإسلام والغرب" ، وهي مقاربة إستراتيجية مغلوطة.
- محاولة انتزاع اعتراف عربي – إسلامي رسمي لحل " المسألة اليهودية" في الغرب على حساب العرب ، عبر الاعتراف بشرعية دولة يهودية في فلسطين .
- بناء إستراتيجية جديدة في المنطقة تقوم على ركيزة أساسية، باعتبار الكيان الصهيوني في فلسطين هو القضية الأساس . فنجاح أوباما أساساً يعتمد على هذا الكيان ، والتأكيد من هذا المنطق على رسوخ العلاقات الأمريكية – الصهيونية بعيداً عن الأشخاص و الإدارات المتعاقبة .
ووسط هذه الإستراتيجية الجديدة ، تقبع قضية القدس ، عبر تسويق أوباما لمفهوم ديني توراتي ينطلق في مقولة " الوعد الإلهي " واستغلال السيد المسيح في القول انه " جاء ليتمم لا لينقض "، فيما يؤدي إلى إيجاد قاسم مشترك يجند الغرب في خضم المشروع الأمريكي ، وإعطاء مشروعية للحرب على الإسلام ، وهو توصيف المعركة القادمة ، وهو كذلك مفهوم يحمل مخاطر إستراتيجية كبرى .
وفي الجانب الأساسي للصراع العربي – الصهيوني ،وبعد أن وضع القدس في إطار وسياق مختلف ،
فإن أوباما انطلق في معطيات صحيحة لنتائج مغايرة ، وهذا أخطر ما في سياسة أوباما .
- ففي الوقت الذي تحدث فيه عن المأساة "الإنسانية " في غزة، فإنه تجاهل الحصار الصهيوني المساهم في هذه المأساة، وأن وجود الاحتلال أساسا هو الذي أنتج وسينتج الحصار وما بعد الحصار .
- الإشارة إلى "حل الدولتين "واشتراط الاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة يهودية،وعلى السلطة الفلسطينية أن تضمن الأمن لهذا الكيان بما يعطي الكيان الصهيوني، كل الحرية في تفصيل رؤيته لهذه الدولة و شكلها .
- عدم الإشارة إلى المناطق الأخرى المحتلة عام 1967، وما بعده مثل الجولان السوري المحتل
ومزارع شبعا وغيرها.
- تأكيده على الالتزام بأمن الكيان الصهيوني . ومطالبة كافة الأطراف بتسهيل مهمة الإدارة الصهيونية
الجديدة، وإنجاح هذه المهمة .
إذا ً، فإن أوباما قد تناول الوضع الفلسطيني عبر القدس ،وحل "المسألة اليهودية " بما يشير إلى نسف حق العودة اللاجئين ، ويهودية الكيان في فشطين كمرجع لحل مفهوم الدولتين .
ثانيا - خطاب نتنياهو :
لقد كان خطاب رئيس الحكومة الصهيونية ولأول مرة ، خطاباً إيديولوجيا بامتياز ، وكان محطة بارزة للبدء بتسويق دبلوماسية جديدة على المستوى الدولي ، تنسف كل مترسبات السياسات الدولية الماضية جهة تعريف الدول، ومفاهيم السيادة .
فالدول تعترف ببعضها البعض وفق قواعد محددات، السيادة، والوجود، والحدود، ولا تقوم على أسس دينية
وعرقية أو أثنية و مذهبية.
وقد استفاد نتنياهو من وضع كيانه القائم في الأمم المتحدة ، التي تعترف بهذا الكيان دون أي تحديد
للدولة وشكلها وحدودها، وهو وضع مغلوط ارتكبته هذه المنظمة الأممية عندما اعترفت بالكيان
الصهيوني كدولة .
وانطلاقا من الوضع القائم ، وما ذهب إليه أوباما في سياسته ، وبعد تشاور مكثف بين الإدارتين الأمريكية
والصهيونية ، جاء خطاب نتنياهو ليضع تفاصيل المهمة الصهيونية لسياسة أوباما "تفصيل المطلوب
والدور " .
وقد كان خطاباًَ إلى وجهتين داخلية، وخارجية، وهما وجهتان متلازمتان وتوازنهما يعني بقاء الائتلاف
الحكومي في الكيان الصهيوني .
فعلى المستوى الداخلي:
- حرص نتنياهو على إرضاء اليمين الصهيوني ، بكافة (أطيافة) ، والتمسك بأسس التفاهمات التي بموجبها شكلّ ائتلافه الحكومي الذي يجمع بشكل غريب بين اليمين واليسار .
- وعلى المستوى الخارجي :
أعطى نتنياهو لخارطة الطريق تفصيلاً جديداً ينطق من رؤية أوباما ، بأن الدولة الفلسطينية القادمة هي دولة مسالمة وعليه فإن نتنياهو ، أكد على الاعتراضات الصهيونية السابقة على خارطة الطريق "48 اعتراض " فلا جيش ولا حدود ، وضمانات أمنية للكيان الصهيوني ودولة منزوعة السلاح. بمعنى آخر ، فإن نتنياهو قد وافق مشكوراً على إنشاء "غيتو " وأحياء للأقليات الفلسطينية في الضفة الغربية.
ومع هذا العرض السريع لا برز ما جاء في الخطابين، فإنهما تقاطعا في رؤية :
1- شكل الدولة الفلسطينية .
2- يهودية الكيان الصهيوني وهو ما أكد عليه ميتشل أثناء جولته الأخيرة.
3- حلّ المسألة اليهودية في الغرب، عبّر رفض عودة اللاجئين والذي بات يتناقض مع يهودية الدولة .
4- القدس يهودية مع السماح بإقامة عبادات دينية "زيارات".
مما تقدم لا يبدو أن هناك تناقضات بين الخطابين ، بل على العكس ، فقد أكد ما ذهبنا اله في المقدمة بأن السياسة الأمريكية ، هي سياسة عامة ونأخذ لها محطات وعناوين في غير منطقة من العالم، وقد تركت هذه السياسة كل الوقت والتفاصيل للعدو الصهيوني لتفصيل مهمته ودوره في الحرب الأمريكية- الصهيونية، على العرب والإسلام .
والمؤكد الآن، أن الكيان الصهيوني، وحده الذي يحدد دوره ومهمته في التفاصيل، في وقت كشفت فيه هذه المقارنة وهم الرهان على الوسيط الأمريكي، بل فشل الإدارة الأمريكية بدور الوسيط، وهي أساسا التي حددت خطوط الرؤية العريضة للحل.
والسابقة الخطيرة في الخطابين أنهما تجاهلا كامل قرارات ما يسمى ب" الشرعية الدولية" والقانون الدولي واعتماده كأساس صالح للحل.
واللافت هو اللحاق الأوروبي لهذا المشروع وتبني ما جاء في الخطابين كما بر عن ذلك وزير الخارجية الفرنسي كوشنير ، وكذا وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي عندما اعتبرا أن خطاب نتنياهو هو " خطوة في الاتجاه الصحيح" واسقط كوشنير كل التحفظات الفرنسية السابقة حول القدس والاستيطان مشيدا بـ " الأفق الذي رسمه نتنياهو لدولة فلسطينية".فيما سارع البيت الأبيض إلى الثناء على الخطاب واعتبره قد حقق حل الدولتين –" إسرائيل" اليهودية ودولة فلسطينية قابلة للحياة وبما يحقق امن الكيان الصهيوني.
ويمكن القول أن نتنياهو قد نجح إلى حد بعيد في تعميم مفهوم "إسرائيل اليهودية" لدرجة انه بات جزءا من منظومة المفاهيم التي تقترن بأي سياسة أو رؤية تجاه حل الصراع العربي الصهيوني,
ومما سبق نستنتج بوضوح انه وحده الكيان الصهيوني الذي يحدد مسارات الحل وعلى الجميع التنفيذ والمساندة. والأمر الأخر أن الإدارة الأمريكية لا تملك أية خطة للحل غير تلك التي وضعها الجمهوريون ، وجل ما قامت به إدارة اوباما أنها عينت مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط ، وأخذت بين الاعتبار التحفظات الصهيونية على خارطة الطريق سيئة الصيت والسمعة .
وإذا كانت هذه الإدارة قد تناغمت مع الأطروحات الصهيونية وتبنيها بالكامل ، فإن جل اهتماما سيكون منصبا على إقناع جميع الأطراف بتفهم وضع نتنياهو ضمن ائتلافه اليميني ، واعتبار هذا الائتلاف الغريب بمثابة الشماعة التي ستكون مطرقة الضغط القادمة.
إذا نجح التحاف الصهيو- أمريكي في زرع بذرة الحرب في تربة السلام المستحيل .. فماذا نحن فاعلون...؟